عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
9
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أنّه منصوب على المصدر بفعل من لفظه تقديره : وتذكر ذكرى أي تذكيرا . الثاني : [ أنها ] في محلّ نصب نسقا على موضع « لتنذر » فإن موضعه نصب ، فيكون إذ ذاك معطوفا على المعنى ، وهذا كما تعطف الحال الصريحة على الحال المؤوّلة كقوله تعالى : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً [ يونس : 12 ] ، ويكون حينئذ مفعولا من أجله كما نقول : « جئتك لتكرمني وإحسانا إليّ » . الثالث : قال أبو البقاء « 1 » : - وبه بدأ - : « إنّها حال من الضمير في « أنزل » وما بينهما معترض » . وهذا سهو فإنّ « الواو » مانعة من ذلك ، وكيف تدخل الواو على حال صريحة ؟ والجرّ من وجهين أيضا . أحدهما : العطف على المصدر [ المنسبك من « أن » المقدّرة بعد لام كي ، والفعل ، والتّقدير : للإنذار والتّذكير . والثاني : العطف ] على الضّمير في « به » ، وهذا قول الكوفيّين ، والذي حسّنه كون « ذكرى » في تقدير حرف مصدري - وهو « أن » - والفعل ولو صرح ب « أن » لحسن معها حذف حرف الجرّ ، فهو أحسن من « مررت بك وزيد » إذ التّقدير : لأن تنذر به وبأن تذكّر . وقوله : « للمؤمنين » يجوز أن تكون « اللّام » مزيدة في المفعول به تقوية له ؛ لأنّ العامل فرع ، والتقدير : وتذكّر المؤمنين . ويجوز أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنّه صفة ل « ذكرى » . فصل في معنى الآية قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - يريد موعظة للمصدّقين « 2 » . فإن قيل : لم قيّد هذه الذّكرى بالمؤمنين ؟ فالجواب : هو نظير قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . قال ابن الخطيب « 3 » : والبحث العقليّ فيه أنّ النّفوس البشريّة على قسمين : بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللّذّات الجسمانيّة ، ونفوس شريفة مشرقة بأنوار الإلهيّة ، فبعثة الأنبياء في حق القسم الأول للإنذار والتّخويف فإنّهم لمّا غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة احتاجوا إلى موقظ يوقظهم . وأمّا في حقّ القسم الثّاني فتذكير وتنبيه ؛ لأنه ربما غشيها من غواشي عالم الجسم فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتّصل لها أنوار أرواح رسل
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 268 . ( 2 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 14 / 15 ) عن ابن عباس . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 15 .